الغزالي
90
إحياء علوم الدين
إلى أن من يأخذ درهما حراما ، ويطرحه في ألف ألف درهم لرجل آخر ، يصير كل المال محجورا عليه لا يجوز التصرف فيه . وهذا المذهب يؤدى إليه . فانظر ما في هذا من البعد وليس فيما ذكرناه إلا ترك اللفظ . والمعاطاة بيع . ومن لا يجعلها بيعا فحيث يتطرق إليها احتمال . إذ الفعل يضعف دلالته ، وحيث يمكن التلفظ . وهاهنا هذا التسليم والتسلم للمبادلة قطعا والبيع غير ممكن ، لأن المبيع غير مشار إليه ولا معلوم في عينه ، وقد يكون مما لا يقبل البيع كما لو خلط رطل دقيق بألف رطل دقيق لغيره . وكذا الدبس والرطب وكل ما لا يباع البعض منه بالبعض فإن قيل : فأنتم جوزتم تسليم قدر حقه في مثل هذه الصورة ، وجعلتموه بيعا قلنا : لا نجعله بيعا . بل نقول هو بدل عما فات في يده ، فيملكه كما يملك المتلف عليه من الرطب إذا أخذ مثله . هذا إذا ساعده صاحب المال ، فإن لم يساعده وأضرّ به ، وقال لا آخذ درهما أصلا إلا عين ملكي ، فإن استبهم فأتركه ولا أهبه وأعطل عليك مالك . فأقول : على القاضي أن ينوب عنه في القبض ، حتى يطيب للرجل ماله ، فإن هذا محض التعنت والتضييق . والشرع لم يرد به فإن عجز عن القاضي ولم يجده ، فليحكم رجلا متدينا ليقض عنه . فإن عجز ، فيتولى هو بنفسه ، ويفرد على نية الصرف إليه درهما ، ويتعين ذلك له ، ويطيب له الباقي . وهذا في خلط المائعات أظهر وألزم . فإن قيل : فينبغي أن يحل له الأخذ ، وينتقل الحق إلى ذمته ، فأي حاجة إلى الإخراج أولا ثم التصرف في الباقي ؟ قلنا : قال قائلون يجل له أن يأخذ ما دام يبقى قدر الحرام . ولا يجوز أن يأخذ الكل . ولو أخذ لم يجز له ذلك . وقال آخرون ليس له أن يأخذ ما لم يخرج قدر الحرام بالتوبة وقصد الإبدال . وقال آخرون يجوز للآخذ في التصرف أن يأخذ منه ، وأما هو فلا يعطي ، فإن أعطى عصى هو دون الآخذ منه . وما جوز أحد أخذ الكل . وذلك لأن المالك لو ظهر فله أن يأخذ حقه من هذه الجملة ، إذ يقول لعل المصروف إلىّ يقع عين حقي . . وبالتعيين وإخراج حق الغير وتمييزه يندفع هذا الاحتمال . فهذا المال يترجح بهذا الاحتمال على غيره وما هو أقرب إلى الحق مقدم . كما يقدم المثل على القيمة . والعين على المثل فكذلك ما يحتمل فيه رجوع المثل مقدم على ما يحتمل فيه رجوع القيمة . وما يحتمل فيه رجوع العين يقدم